محمد بن جرير الطبري

170

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وقال آخرون : معنى ذلك : مبعدون في النار . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن أشعث السمان ، عن الربيع ، عن أبي بشر ، عن سعيد : وأنهم مفرطون قال : مخسئون مبعدون . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي اخترناه ، وذلك أن الافراط الذي هو بمعنى التقديم ، إنما يقال فيمن قدم مقدما لاصلاح ما يقدم إليه إلى وقت ورود من قدمه عليه ، وليس بمقدم من قدم إلى النار من أهلها لاصلاح شئ فيها لوارد يرد عليها فيها فيوافقه مصلحا ، وإنما تقدم من قدم إليها لعذاب يعجل له . فإذا كان معنى ذلك الافراط الذي هو تأويل التعجيل ففسد أن يكون له وجه في الصحة ، صح المعنى الآخر وهو الافراط الذي بمعنى التخليف والترك وذلك أن يحكى عن العرب : ما أفرطت ورائي أحدا : أي ما خلفته وما فرطته : أي لم أخلفه . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقرأته عامة قراء المصرين الكوفة والبصرة : وأنهم مفرطون بتخفيف الراء وفتحها ، على معنى ما لم يسم فاعله من أفرط فهو مفرط . وقد بينت اختلاف قراءة ذلك كذلك في التأويل . وقرأه أبو جعفر القارئ : وأنهم مفرطون بكسر الراء وتشديدها ، بتأويل : أنهم مفرطون في أداء الواجب الذي كان لله عليهم في الدنيا ، من طاعته وحقوقه ، مضيعو ذلك ، من قول الله تعالى : يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله . وقرأ نافع بن أبي نعيم : وأنهم مفرطون بكسر الراء وتخفيفها . حدثني بذلك يونس ، عن ورش عنه . بتأويل : أنهم مفرطون في الذنوب والمعاصي ، مسرفون على أنفسهم مكثرون منها ، من قولهم : أفرط فلان في القول : إذا تجاوز حده ، وأسرف فيه . والذي هو أولى القراءات في ذلك بالصواب قراءة الذين ذكرنا قراءتهم من أهل العراق لموافقتها تأويل أهل التأويل الذي ذكرنا قبل ، وخروج القراءات الأخرى عن تأويلهم . القول في تأويل قوله تعالى : ( تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم )